بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، نجدّد التحذير، نحن عائلات المفقودين والمختفين قسرًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى جانب الجمعيات ومنظمات حقوق الإنسان التي تعمل على وضع حدٍ لجريمة الاختفاء القسري، من تفشي الاختفاء القسري في منطقتنا.
ففي ظل المعاناة التي تفرضها الحروب والإبادة الجماعية والممارسات الاستبدادية للدول على الأشخاص في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تُواصِل السلطات في مختلف أرجاء المنطقة إخضاع أشخاص للاختفاء القسري، وشن حملات قمعية ضد عائلات أشخاص مفقودين ومختفين قسرًا، والمماطلة في تلبية مطالب المحاسبة وتقديم التعويضات، بما يحمي المسؤولين من المثول أمام العدالة. وفي ظلّ هذه الفظائع، نقف جنبًا إلى جنب لمكافحة ظاهرة الإفلات من العقاب والكشف عن موجات متجددة من جريمة نعرفها حق المعرفة. ونبعث برسالة واضحة مفادها: لن تُسكت أصوات عائلات المفقودين والمختفين قسرًا، ولن تُرهب العائلات أو تُثنى عن مواصلة سعيها من أجل معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وتلقي التعويضات.
ولقد تلقّينا ببالغ الأسف نبأ إغلاق السلطات الجزائرية لمكتب منظمة أس. أو. أس. مفقودون في الجزائر العاصمة في 16 مارس/آذار 2026. وتأسست منظمة أس. أو. أس. مفقودون، وهي منظمة حقوقية بارزة، في عام 2001 على أيدي عائلات ضحايا مُطالِبة بالمساءلة عن اختفاء آلاف الأشخاص قسرًا في الجزائر خلال النزاع الداخلي الذي دار في تسعينيات القرن الماضي. وجاء إغلاق مكتب المنظمة بعدما منعت الشرطة مُؤسِّسة المنظمة، نصيرة ديتور، وهي نفسها أم لأحد ضحايا الاختفاء القسري، من دخول الجزائر على نحو تعسفي في يوليو/تموز 2025.
وخلال الشهر التالي، صعّدت السلطات الجزائرية حملتها القمعية ضد أسر ضحايا الاختفاء القسري، حيث اعتقلت بشكل تعسفي أربعة من أقارب الضحايا على الأقل، ولا يزال أحدُهم رهنَ الاحتجاز. ومنذ 26 مارس/آذار 2026، تحتجز السلطات الجزائرية تعسفًا الناشط رشيد بن نخلة، على ذمة التحقيقات معه، بتهم لا أساس لها متعلقة بالإرهاب، وذلك على خلفية منشورٍ حديث له على فيسبوك تحدث فيه عن الاختفاء القسري لوالده في عام 1994. وفي أبريل/نيسان، حُكم على سليمان حميطوش، وهو ابن أحد ضحايا الاختفاء القسري ومنسق التنسيقية الوطنية لعائلات المختطفين قسرًا، بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ وبدفع غرامة مالية لمجرد ممارسة حقيه في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها. ودأبت قوات الأمن أيضًا على فض تجمعات أقرباء الضحايا التي تُقام في الجزائر العاصمة كل يوم أربعاء منذ عام 1998، متذرعةً بعدم استخراجهم الرخصة اللازمة و”إغلاق ملف المختفين”.
ويُعَد استهداف جمعيات وروابط عائلات المختفين قسرًا وأقربائهم أمرًا مشينًا. ويعكس ذلك الخوف من أصوات عائلات وأقرباء الضحايا، التي شكلت في كثير من الأحيان صوت الضمير في مجتمعات ما بعد النزاعات، والمُنادية باتخاذ تدابير تُسهم في التئام الجراح وجبر الضرر، واقعًا مؤسفًا للغاية. وتُعَد جريمة الاختفاء القسري من الجرائم المشمولة في القانون الدولي، وتظل هذه الجريمة مستمرة إلى حين الكشف عن مصير وأماكن وجود الأشخاص أو الوصول إلى رفاتهم. وإنه لأمر شديد القسوة أن تتعرض عائلات المختفين للاحتجاز والمضايقة وتُفرَض عليها القيود، فوق ما تكابده من عذاب وألم من جراء عدم معرفتها ما حل بأحبائها وأثر عدم حصولها على إجابات بشأن مصير ذويها على قدرتها على رثائهم.
وإلى جانب تنديدنا بهذا القمع الذي تتعرض له أُسر المفقودين والمختفين قسرًا، فإننا نحيي كذلك اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري في وقتٍ انضمت فيه خلال السنوات الأخيرة أُسر جديدة إلى صفوف أُسر المفقودين والمختفين قسرًا. ومن المؤلم أن تُواصِل السلطات ارتكاب هذه الجريمة المروّعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في الوقت الذي تخوض فيه جمعيات عائلات الضحايا نضالات منذ عقود، ليس فقط لمعرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وتلقي التعويضات، سواءً من أجل أحبائها المفقودين أو من أجلها، بل أيضًا لضمان ألا يتعرض غيرها أبدًا لما قاسته من عذاب.
ومنذ بداية الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة المحتل، تعرّض المئات من الفلسطينيين من غزة للاختفاء القسري أو فُقدوا بعدما احتجزهم الجيش الإسرائيلي.
وفي الحالات القليلة التي ردّ فيها الجيش الإسرائيلي على الالتماسات المقدَّمة أمام المحاكم نيابةً عن عائلات المختفين قسرًا، زعم أنه لا توجد أي مؤشرات على اعتقالهم، رغم إفادات شهود عيان تؤكد خلاف ذلك. ومن بين الأشخاص الذين تعرّضوا للاختفاء القسري منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الصحفيان الفلسطينيان هيثم عبد الواحد ونضال الوحيدي، اللذان شوهدا للمرة الأخيرة في 7 أكتوبر/تشرين الأول أثناء قيامها بتصوير لقطات فيديو لتداعيات هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول. وفي اليمن، احتجزت أطراف النزاع أشخاصًا في المناطق الخاضعة لسيطرتها وأخفتهم قسرًا؛ وتضمن هؤلاء صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وعاملين في المجال الإنساني. ولكن لا يقتصر الاختفاء القسري على النزاعات المسلحة فقط، بل أصبح أداة راسخة لممارسة القمع ضمن أنظمة العدالة الجنائية وأجهزة الأمن في مختلف أرجاء المنطقة، تُستَخدَم لإسكات الأصوات المنتقدة ومعاقبة المُعارَضة وبث الخوف.
وفي بعض البلدان، التي تتضمن الإمارات العربية المتحدة وإيران والجزائر والسعودية وليبيا ومصر، لا يزال الاختفاء القسري يُمارَس باعتباره أداة معتادة للقمع؛ إذ تقوم السلطات على نحو منتظم بمنع مُحتَجَزين من الاتصال بعائلاتهم ومحاميهم وبحجب المعلومات المتعلقة بمصيرهم وأماكن وجودهم.
وقد دُمّرت مجتمعات في منطقتنا، بما في ذلك في العراق وسوريا ولبنان، نتيجة ممارسة الاختفاء القسري؛ ومع ذلك، لم تتحقق مطالبنا بمعرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وتقديم التعويضات بعد. وفي سوريا، عقب سقوط بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وفتح مراكز الاحتجاز والسجون، أملنا أن تتمكن عائلات عشرات الآلاف من المختفين بين عامي 2011 و2024 أخيرًا من لمّ شملها بأحبائها. إلا أن معظم المختفين لم يظهروا، ولا تزال غالبية العائلات تنتظر إجابات بشأن مصير أحبائها المفقودين وأماكن وجودهم، ما يطيل أمد حيرتها ومعانتها وأساها، فيما تواصل نضالها من أجل معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وتلقي التعويضات.
ومن ثَمَّ، ندعو، في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري هذا العام، جميع حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى ما يلي:
ونرفض، بصفتنا عائلات أشخاص مختفين ومنظمات متضامنة معها، القبول بأن يكون الاختفاء القسري جزءًا دائمًا من واقع الحياة في منطقتنا. وعلى الرغم من التخويف والقمع اللذين تتعرض لهما العائلات، ومن فقدان أحبائها، تُواصِل تنظيم جهودها والتوثيق والمُناصرة وإبقاء ذكرى أحبائها حية في الأذهان. وسيتواصل النضال. فلن تُسكت أصواتنا ولن نوقف نضالنا.
الموقِّعون: